• "Muhammad at-Tayieb" al-Hyari

أثر الأوبئة على الأفكار - الموت الأسود نموذجاً

في القرن العاشر، كتب الرّحّالة العربيّ (المسعوديّ) عن أهل شمال أوروبّا "الّذين بعدت الشّمس عن سَمتهم، فغلب على نواحيهم البرد والرّطوبة، وتواترت الثّلوجُ عندهم والجليد، فقلّ مزاج الحرارة فيهم، فعظمت أجسامُهم، وجفّت طبائعهم، وتوعّرت أخلاقُهم، وتبدّلت أفهامُهم، وثقلت ألسنتُهم، ..." حتّى قال: "ومن كان منهم أوغلَ في الشّمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهائميّة، وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد إلى الشّمال."


في القرن الحادي عشر، لم يبدُ لسان الدّين ابن الخطيب الغرناطيّ أكثرَ انبهاراً عندما عدّ إسهاماتِ الأمم في العلوم فلمّا وصل شمال أوروبّا قال أنّ أهلها لم يكن لهم في ذلك ناقة أو جمل، وأنّهم كانوا وحوشاً أكثر منهم بشراً إذ لم يظهروا فهماً ولا نبوغاً.


لم تتبدّل الأمور كثيراً في القرنين التّاليين، وظلّت أعينُ الحالمين مصوّبة نحو الشّرق. التمس روجر بيكون من البابا كلمنت الرّابع تمويل مشروع عظيم: موسوعة في العلوم الطّبيعيّة تجمع جديد معارف الشّرق. كان بيكون يتطلّع لترجمة الكتب العربيّة، وأوصى بدراسة اللّغات الشّرقية والإسلام.


هذا كان روجر بيكون المتوفّى سنة 1292، أمّا فرانسيس بيكون المتوفّى سنة 1626، فقد رأى أنّه لم يكن لدى الأوروبّيّين الكثير ليتعلّموه خارج قارّتهم.


فما الّذي تغيّر في تلك الفترة؟


ثمّة فيض من التّفسيرات، لكن ما يهمّنا هنا هو الجزء الّذي يربط صعود الغرب بسقوط الشّرق، ويربط سقوط الشّرق بوباء الطّاعون. وإذا ذُكرَ الطّاعونُ مجرّداً فالمقصود هو طاعون عام 1347 المعروف بالموت الأسود، وهذا على مذهب: "إذا قلتِ (الأميرُ) ولم تسمّي.. فلا يحتاجُ سامعُكِ السّؤالَ!"


في بداية القرن الرّابع عشر كان العالَم متّصلاً كما لم يكن من قبل، من الصّين إلى أوروبّا بحراً وعبر خطوط التّجارة البرّيّة الّتي وحّدها جنكيز خان. لم تكن هنالك قوّة عالميّة مسيطرة، إنّما قوىً متوازنة، وكان الشّرق الأوسط بموقعه الجغرافيّ نقطة الارتكاز بين الشّرق والغرب.


خطوط التّجارة البرّيّة والبحريّة كانت النّاقل الرّئيسيّ للموت الأسود، حملتهُ وماتت به حيثُ انتعشت حواضر سليمة وماتت أخرى مصابة، كما عمرت مدن-موانئ وهُجرت أخرى.


زادت مدّة العزل المفروضة إلى 40 يوماً بحكم قانون quarantino، ومن هنا جاءت كلمة quarantine.

كان يُحجر على البحّارة العائدين إلى ميناء البندقيّة (عبر خطّ التّجارة مع الهند) مدّة 30 يوماً بحكم قانون trentino، وبعد مدّة زادت مدّة العزل المفروضة إلى 40 يوماً بحكم قانون quarantino، ومن هنا جاءت كلمة quarantine.


هذه التّغيّرات على المستوى العالميّ أسهمت في صعود قوىً وأفول أخرى. كان صعود الغرب -والفكرة لجانيت أبو لغُد- لا لميزة خاصّة فيه أو لضرورة تاريخيّة، إنّما نتيجةً طبيعيّة لتفكّك الشّرق. حتّى ضمن نطاق أوروبّا، صعدت إنجلترا من الهامش على حساب قوىً أكبر أنهكها الطّاعون، كفرنسا وإيطاليا.


عندما "خسر" المغول الصّين عام 1386، خسر العالم خطّ التّجارة البرّيّ الرّئيسيّ، فأفل نجمُ القاهرة وبغداد والبصرة وسمرقند وهرمز وكلكوت وبكّين، فيما انتعشت بروج (Bruges) والبندقيّة وجنوة.


الجدير بالذّكر أنّ سبب ضعف المغول كان الموت الأسود، وأنّ الموت الأسود بدأ من.. الصّين.


اكتشف البرتغاليّون طريقاً جديداً للتجارة مع جزر الهند عبر المحيط الأطلسيّ (كان ذلك بديلاً عن الطّريق البرّيّ المفكّك والّذي يمرّ بالقسطنطينيّة الّتي سقطت بيد العثمانيّين)، وهذا الطّريق أعطى أفضليّة لجنوة على البندقيّة -مثلاً-، ولكلتيهما على موانئ العالم القديمة بطبيعة الحال.


عمّ الموت الأسود الأرياف الأوروبّيّة، ما أجبر الإقطاعيّين على الخضوع لبعض مطالب العمّال والفلّاحين (peasants) الّذين وجدوا فرصة للاحتجاج، الأمر الّذي كانت نتيجته تحسّناً في أحوالهم المعيشيّة. فبدأ هؤلاء مثلاً باستخدام الأوعيّة المصنوعة من المعدن للطّبخ بدل الأدوات الفخاريّة.


أثّر الموت الأسود على تديّن النّاس كذلك؛ عمّ اليأس وتقلّص أثر المؤسّسات الدّينيّة الكبرى، وظهرت صوامع ومعابد ومجتمعات دينيّة صغيرة أكثر من تلك الّتي كانت تظهر قبل الطّاعون، وتحوّل مزاج النّاس عموماً إلى التّصوّف والانكفاء على الذّات.


بإتيانه على نظم التّعليم القديمة المتهالكة، أفسح الطّاعون الأسود المجال لبدء عصر النّهضة.

مات أكثر من ثلثِ الرّهبان في أوروبّا بالطّاعون الأسود، ما وضع الكثير من نظرائهم الأصغر سنّاً والأدنى تعليماً في مواقع القيادة. هذا أضعف سلطة الكنيسة في مجال التّعليم. وبإتيانه على نظم التّعليم القديمة المتهالكة، أفسح الطّاعون الأسود المجال لبدء عصر النّهضة.


قتلَ الطّاعون الأسود ثلث القارّة الأوروبّيّة، ومع ذلك لم يكن هنالك ما يكفي من الطّعام لمن تبقّوا. هذا العوز حملَ بذور أكبر ثورة مجتمعيّة وفكريّة في تاريخ القارّة. في تلك اللحظة التّاريخيّة بدأت أفكار النّاس عن الكون، وقانون الأرض ونظامها، تتغيّر.


الأوروبّيّون الشّماليّون -إيّاهم- بدؤوا يظهرون فهماً ونبوغاً! 😄، ومن كلّ التّفسيرات يعنينا في زمن العزل المنزليّ ذلك الّذي يفسّر الأمرَ بأنّهم كانوا يقضون أوقاتاً أكثر في بيوتهم (مع البرد في الخارج)، ما أشعل عندهم شرارة البحث والإبداع - هذا بعد اختراع الطّباعة.


على صعيد اللّغة، تراجعت اللاتينيّة والفرنسيّة بموت الرّهبان وبدأت الإنجليزيّة الوسطى (Middle English) تحلّ مكان الفرنسيّة في.. إنجلترا. كان ذلك في نهاية القرن الرّابع عشر. انتفاضة الفلّاحين في ذات الفترة ساهمت هي الأخرى في صعود الإنجليزيّة، لغة المحتجّين.


كان ريتشارد الثاني (توفّي سنة 1400) أوّل ملك إنجليزيّ يستخدم الإنجليزيّة وحدها مخاطباً خصمه أثناء الحرب، وفي 1399 عندما استحوذ هنري (الثّالث)، دوق لانكستر، على العرش من ريتشارد هذا، خطبَ بما سمّته كتب التّاريخ "لغته الأمّ". قال:

"In the name of Fadir, Son and Holy Ghost, I, Henry of Lancaster challenge this reyme of Yngland and the corone with all the members and the appurtenances, als I that am disendint be right lyne of the blode comying for the gude lorde Kyng Henry Therde."

وهذا انقلاب صريح 😅!


نفسُ عصامٍ سوّدت عصاما.. وسخّرت في ذلك (الإنجليزيّة الوسطى)!


ربعُ الكلمات الّتي استخدمها الملك هنري في خطابه جاءت من الفرنسيّة، لكنّه استخدم "لغته الأمّ" بثقة أظهرت أنّ الصّفحة قد قُلبت. هذه الثّقة تُوّجت بأوّل ترجمة إنجليزيّة للإنجيل بنهاية القرن الخامس عشر:

"In the bigynnyng God made of nouyt heuene and erthe (...) And God seide, Liyt be maad, and liyt was maad."


هذا كان شيئاً من أثر الطّاعون الأكبر، المعروف بالموت الأسود، على السّياسة والاجتماع والاقتصاد والتّديّن والعقل واللغة، وأتمنّى أن أكون قد أفدت.


___


أهمّ المصادر:


Before European Hegemony - Janet Abu-Lughod

In the Wake of the Plague - Norman Cantor

England and Its Rulers - M. T. Clanchy


#StayHome


Accepted payment methods:

PayPal - Accepted Payment Method by Alhyari Art
Accepted Credit Card Payment Methods of Alhyari Art

"Muhammad at-Tayieb" al-Hyari | Freelance Digital Artist & Children's Book Illustrator | Khobar, Sharqiyah, Saudi Arabia

0