• "Muhammad at-Tayieb" al-Hyari

عن صدفة متأخّرة


لم تكن وجوه أهل السّلط، مدينتي الأردنيّة الجبليّة، تستوقفني يوماً كما تفعلُ الآن، أعني بعد 10 أعوام من الإغتراب وعامين من التّصالح مع الفنّ، هوايتي حين كنتُ طفلاً.


الأمرُ لا يخلو من الأنانيّة؛ إذ أنّ اشتياقنا للأشخاص والأماكن هو -في جزء منه- اشتياقٌ لذواتنا الأولى، لأرواحنا الّتي كانت أجمل، لقلوبنا الّتي كانت أطيب، للذّكريات الّتي استبقيناها أو -ربّما- اختلقناها عن الماضي الجميل. كما أنّ جزءاً من الأمر قد يفسّره شغفي برسم وجوهِ العابرين، تلك الوجوه الّتي لا يلحظُها أحد، أرسمها بلا اتّفاق أو سابق إذن، وأتحدّث فيها عنّي بقدر ما أتحدّث عنهم.


كنت أشاهدُ وثائقيّاً قصيراً عن السّلط عندما استوقفني أبو بسّام (عرفتُ اسمه لاحقاً). مرّت عليه الكاميرا مسرعةً لكنّني علمتُ أنّ عليّ التّوقّف. فكّرتُ بابتسامته: هل من كلماتٍ تصفُها؟ وهل بوسع اللّغة أصلاً أن تصفَ ابتسامة؟

قرّرت أنّه سيكون موضوع لوحتي القادمة.


لوحة البورتريه النّاجحة -برأيي- هي تلك الّتي توازن بين الشّبه والبوح؛ فاللّوحة الّتي تتوقّف عند المظهر الخارجيّ سلعةٌ ما زال يحفلُ بها الأغنياء منذ قرون، وتلك الّتي تنصرفُ عنه إلى التّعبير عن عُقدِها جريمةٌ ما زال يتستّرُ عليها النّقّادُ والأكاديميّون منذ عقود، وكلتا اللّوحتين -برأيي كذلك- عالة على الفنّ.


عملتُ على لوحتي بضعة أيّام في مقاهي مدينة الخُبر ربيعَ هذا العام. فرغتُ من العينين واحترتُ في الكوفيّة، حتّى قرّرتُ أنّ الحلّ الأمثل يكمنُ في رسم النّسيج الأبيض أوّلاً، بتموّجاته وظلاله، ومن ثمّ إضافة الزّخرفة الحمراء بما يتناسق مع ذلك.

أضفتُ توقيعي ونشرت اللّوحة.


Face from as-Salt (2018)

علّق أحدُ الأصدقاء على Facebook: "أشعرُ كأنّني قابلته في الميدان أو في شارع الحمّام. ملامح سلطيّة أصيلة: صلابة تمازجُها طيبة خجولة."



جاء الصّيف.



عدت مع عائلتي الصّغيرة إلى السّلط لقضاء الإجازة، وهناك عكفتُ على مؤلّفات النّاقد الفنّي الرّاحل جون بيرجر (John Berger). سافرتُ معه بين رسومات الكهف وتراكيب رندا مدّاح، بين طرق الرّؤية وطرق السّرد، بين المتاحف والمناجم، بين لندن وغزّة وقرية منسيّة تُدعى كانسي (Quincy). تحدّثنا عن الشّعر والنّثر والرّسم والتّصوير. كان أنيساً لا يُملّ، أزعم أنّني عرفته، وأعترف أنّني أفتقده. ولو قُدّر لي أن أضيف مقالة إلى كتاب (A Jar of Wild Flowers) لحدّثتُ عن رسالة لي نسيَ أن يكتبَها، غير أنّه أوصاني فيها أن أصغي جيّداً.. لعلّي أستوعبُ لغة الأشياء.

ثمّ إنّني بدأتُ بقراءة مؤلّفات السّير هربرت ريد (Herbert Read)، وقد وجدتها أقلّ حياة -ربّما لخلفيّته الأكاديميّة- فأكملتُ أربعاً منها وتوقّفت.


قراءاتي المركّزة هذه لم تنبع كلّها من اهتمامٍ شخصيّ (الأخيرة منها على الأقلّ)، بل كانت استعداداً لدورة في الفنّ الحديث (Modern Art)، وأخرى في الفنّ الواقعيّ (Realist Art)، في مدرستين ببرشلونة. أردتُ -بعد عقدٍ في الهندسة- أن أتكلّم لغة الأساتذة والزّملاء الفنّانين 😅.


طبعتُ لوحتي (وجه من السّلط) وعرضتها ضمن مشروع التّخرج من فصل الفنّ الحديث، كما عرضتُ على الحضور فيلماً يوضّح طريقة العمل عليها، ثمّ إنّني بعد انتهاء المعرض حملتها معي.. وعدنا إلى حيثُ ننتمي. هناك اشتريتُ لها إطاراً وعقدتُ أصابعي لعلّ صدفة تجمعني بصاحبها فأهديَه إيّاها، لكنّ الصّيف انقضى دون ذلك.



مضى شهران على عودتي إلى العمل في الرّياض، ولأنّ القصصَ لا تكتمل بلا مصادفاتٍ فقد أرسلتْ لي أمّي، الّتي احتفظت باللّوحة في سيّارتها تلك المدّة، هذه الصّورة يوم أمس 😊!

Accepted payment methods:

PayPal - Accepted Payment Method by Alhyari Art
Accepted Credit Card Payment Methods of Alhyari Art

"Muhammad at-Tayieb" al-Hyari | Freelance Digital Artist & Children's Book Illustrator | Khobar, Sharqiyah, Saudi Arabia

0